الأمان الخائف

الخوف غريزة كامنة تُستثار فتدفعنا إلى الهرب, و طالما ظل الخوف في هذه الحدود فهو شعور طبيعي, ولكن غير الطبيعي أن يصبح الخوف عقبة, أن يتطاول فيصير جدارًا نحتمي به من كل تغيير. من غير الطبيعي أن نهرب باتجاه الخوف بدلًا من أن نهرب بإيعازٍ منه. أن يتحول من غريزة دافعها صراع الإنسان من أجل البقاء, إلى حالة يُبقي بها الإنسان على ما يُحيط به بدلًا من أن يُبقي على إنسانيته.

فمن غير الطبيعي أن يُختزل مفهوم الأمان في التسليم والقرار و البعد عن التحولات, ويتحول التغيير مهما كان بسيطًا إلى بابًا ينفتح على مخاوف عظيمة مُتخيلة.

والأعظم, أن نحتمي بالخوف بدلًا من أن نحتمي منه.

هذا الخوف غير الطبيعي هو ما يُسيطر على ذهنية الإنسان السعودي, ويقف جدارًا مانعًا أمام أي رغبة في التغيير, سواءً أكانت رغبة التغيير تتعلق بالنواحي الاجتماعية أو الإصلاحات السياسية أو المراجعات الدينية.

فقد خلقنا لأنفسنا, أو خُلقَ لنا بعبعًا نحتمي به كي يحول بيننا وبين أي تغيير, نحنُ لا نهرب من البُعبع باتجاه التغيير, بل نهرب من التغيير باتجاه البُعبع.

فعند الحديث عن أي تغيير هامشي وبسيط يُخلق أمام هذا التغيير مخاوف عظيمة تتناسل و يتولد عنها مخاوف صغيرة وتفصيلات مُتخيلة لا تنتهي, فعلى سبيل المثال, تغيير اجتماعي إجرائي بسيط كامتلاك المرأة لبطاقة هوية شخصية كم خلق من مخاوف واحترازات لا داعي لها, ولكنه الخوف الاستباقي, فالهوية المستقلة يعني استقلال للمرأة وهذا الاستقلال يعني خروجها عن الطاعة ومن ثمّ خروجها عن قيد الأسرة.

كذلك بالنسبة للحديث عن قيادة المرأة, ما أن يبدأ الحديث عن مشروعية قيادة المرأة للسيارة حتى ينفتح باب المخاوف العظيم, بدءًا بالمجتمع غير المُهيأ, مرورًا بالذكور المسعورين, وليس انتهاءً بدولاب السيارة الذي قد (يبنشر) والمرأة وحدها في الشارع.. متجاهلين أن نصف المجتمع (مبنشر).

وعند أي مُراجعة دينية لاجتهادات الفقهاء السابقين, يتحرك البُعبع العظيم, ويلوذ به عامة الناس, مُحتمين به من خطر هذه المراجعات. حاملين أخشابًا عظيمة يسدّون بها باب الذرائع الذي يطلب دائمًا مزيدًا من الأقفال. مؤجرين عقولهم بلا أجر سوى أجر الراحة من التفكير, فأنت حين تُسلّم عقلك ستجد من يُفكر عنك, وليس عليك إلا أن تتبنى أفكاره كي تتقي عناء الشك ومغبة المراجعة. ومن ثمّ تعددت أصنام أهل التوحيد, أصنامًا لا تقبل الزحزحة أو التحريك المرن, أو التهشيم بفأس كفأس إبراهيم.

وكذلك فيما يتعلق بالتغيير السياسي, أو الحديث عن الإصلاح, فلقد خُلقَ لنا بُعبعًا لا يُخيفنا في حقيقة الأمر وإن توهمنا ذلك, لأننا صرنا نسند ظهورنا إلى هذا البُعبع كي نحتمي من شعورنا بالخزي أو الجُبن أو الجمود. لقد خلقنا بُعبع الطائفية والخطر الخارجي كي نواجه به كل رغبة في التغيير أو التحول. شققنا أنفسنا إلى صفين وصرنا نضرب بعضنا ببعض ونتربص بنا, اشتبكت أيدينا بنا, وصارت أيدينا عاجزة عن الفعل والتغيير, وكل ما يُمكنها فعله أن تُشير للآخر بالتخوين والاتهام. وأن ترسم شبحًا عظيمًا تحتمي منه به.

لقد التبس مفهوم الخوف بالأمن, صار الخوف أماننا. وتحولت العبارة الشهيرة (من خاف سلم) إلى (مَنْ خاف أًمِن) وبين السلامة والأمان فرق كبير. فلكي نسلم يجب أن يكون الخوف دافعًا للتغيير الذي يؤدي بنا إلى السلامة, ومن ثمّ تمنحنا السلامة شعورًا بالأمان. أمّا أن نخاف وبدلًا من أن يكون الخوف دافعًا للفعل يكون دافعًا للجمود, ومن ثمّ يكون هذا الجمود أمانًا لأنه يحمينا التحرك والنهوض والتغيير. فهذا يعني أننا نلوذ بخوفنا بدلًا من أن نلوذ بالأمن. ولا يلتقي الخوف والأمن وإن توهمنا.

مالم يقله بكري عساس عن حريق أم القرى.

1_190

قرأت تصريح د: بكري عساس, عميد جامعة أم القرى حول الحريق المحدود الذي اشتعل في مبنى(هـ) مبنى الحاسب الآلي يوم السبت 10/4/1433هـ. والحريق فعلًا كان محدودًا في مبنى واحد, والدفاع المدني وصل في وقت قصير, و لم يكن هُناك أي فوضى أو تأخر في الإخلاء, كل ما قاله العميد صحيح. لكن مالم يقله بكري عساس أيضا أنّ التماسًا كهربائيًا اشتكت منه الطالبات في الأربعاء السابق لاشتعال الحريق, ولم يتم التعامل معه بجدية, مما أدى إلى تفاقم الوضع يوم السبت.

و مالم يقله عميد جامعة أم القرى, ولن يقوله. هو أن مبنى (هـ) من أقدم مباني الجامعة, يتشارك في عمره مع مبنى (ز) ومبنى (و). وقد تم ترميم مبنى (و) مؤخرًا. أمّا مبنى (هـ) الذي يضم معامل الحاسب الآلي, ومبنى (ز) الذي يضم قاعات الدراسات العليا لبعض الكليات فلا زالا على حالهما, مبنيان قديمان ومتهالكان وفي وضع مزري. حتى أن سطح مبنى (ز) يرشح بالماء في بعض الأحيان. بالإضافة إلى أن المباني الثلاث المذكورة ذات قاعات ضيقة جدًا ولذلك تم تخصيصها لطالبات الدراسات العليا لأن أعدادهن قليلة, وللمعامل (الحاسب والتربية الفنية). ومَن يعرف تاريخ هذه المباني سيعرف لماذا تتسم قاعاتها بهذا الضيق؟ ولمَ لا يوجد بها دورات مياة كافية, ولا يوجد بها إلا مصعد واحد ضيق, وسلّم واحد (دَرج). فالتاريخ الذي لا يغيب عن أحد أن هذه المباني كانت في الأصل قصورًا يسكنها الأمراء أيام إقامتهم بمكة في رمضان, وذلك في زمنٍ قديم يعود إلى فترة حكم الملك فيصل والملك سعود. أي أنَ هذه المباني المتهالكة و طويلة العُمر ليست مبانٍ دراسية في الأساس, بل هي مبانٍ مُخصصة للسكن. ولذلك فالقاعات الدراسية بتصميم (غُرف نوم).

هُنا تتمثل إهانة العلم, والمتعلمين, أن (يشبع) الأمير من قصره, ويمنحه للجامعة, وأن تتمسك به الجامعة بل وتحشر فيه الطالبات. وهو في الأصل لم يُصمم ليكون مقرًا لهن. فعلى الرغم من كل المباني التي توسعت فيها جامعة أم القرى في مقر الطالبات, وبالرغم من هدم وإعادة بناء بعض المباني القديمة مثل مبنى (ج) و (د) و (ب) والتي صُممت في الأصل لتكون مبانٍ دراسية ولكنها تهالكت وضاقت, إلا أن الجامعة لازالت تصر على التمسك بالمباني المذكورة رُبما لماضيها الأميري العريق.

ولا تقف الإهانة هُنا, فمن يعرف تاريخ مقر طالبات فرع جامعة أم القرى بالطائف سيجد الإهانة في أوضح تعريفاتها, فالفرع الذي صار يحمل اسم (جامعة الطائف) الواقع في قروى, كان في الأصل مقرًا لحيوانات أحد طوال العُمر, ثم تحوّل من اسطبل خيول إلى مقر جامعة الطائف للبنات, ولذلك فبعض قاعات هذا المقر عبارة عن غُرف تفتح على الفناء الطويل الشبيه بالمضمار. رُبما حيوانات طويل العمر وجدت مقرًا أفضل, فصار مقرّها مكانًا للطالبات.

ولكن السؤال: لماذا الطالبات فقط؟

لماذا تم تحويل قصر الملك سعود مقرًا للطلاب في الطائف؟ فيما أصبح مقر الحيوانات مقرًا للطالبات؟

ولماذا بُني لطلاب أم القرى مدينة جامعية في العابدية؟ في حين أن الطالبات لازلن في زحام حي الزاهر, وفي القصور القديمة؟

هل لأن كل ظُلم يقع على الذكر في بلادي لا بد أن يقع بشكل مُضاعف على المرأة؟

هل لأن تعليم المرأة الجامعي عبارة عن فرع للأصل الذكوري, فللرجل عمادة الجامعات, وللمرأة الوكالة. وللرجل رئاسة الأقسام, وللمرأة الوكالة. فكان طبيعيًا أن تكون الميزانيات و الأموال والخطط التنموية في خدمة الذكور أولًا.

القصور الملكية تحكي تاريخ العهود السعودية في رحلة البناء والتطوير.. قصور لها تاريخ

غصة

5878360238_bf8ce4c01e

أنا البنت التي أسير في شوارع أعرفها ولا تعرفني, بقعة سوداء ضمن قطيع بقع سود ترعى في أرض الله, يرعاني ذكر, و يتربص بي ذئبٌ مُذكر.

أنا الإنسان الخائف من كل شيء, من جدران قيلَ بأن لها أذان, ومن شمس قيل بأن وراءها مُتسع يسأل هل من مزيد؟ أنا المحكوم بالحديد, والموعود بالحديد, والمذعور من صلصلة السلاسل والأقفال, والمُكبّل بلا سلاسل وبلا أقفال.

أنا الأغنية المنسية, اللحن الذي وضعوا عليه كلمات لا تُشبهني, وتناقلته حناجرٌ لا تفهمني ولا يعنيها أن تفهمني.

أنا الكلام الذي ليسَ من فضة, وبالطبع ليس من ذهب, أنا الكلام الذي من (غصّة) والسكوت الذي من (قهر).

النفط وملح البحر.

أعوذُ بعامكَ السبعين،

يا أبتاهُ أن تهرمْ

وأن يثنيكَ عِنْـدُ البحرِ،

فالملاّحُ لا يُهزَمْ

أبي.. كم ذا سألتُ البحرَ..

أيٌّ منكما أقدمْ؟!

لماذا أنتما الإثنانِ

في حربٍ

ولا مَغْنَمْ!

ألم يُكتب لهذي القصة الزرقاء

أن تـُختَمْ؟

وللصبواتِ أن تـُلجمْ؟

* * *

أبي ما حالت الخيباتُ يوماً

دون أن تحلمْ

بأن تصطادَ لؤلؤةً

تعود بها إلى البيتِ

ولم تعلمْ:

بأنك يا أبي تمشي

على بحرٍ من الزيتِ!

* * *

بوقتٍ فيه يعلو الزيفُ،

ظَهْرَ حصانهْ الأبلَـقْ

وداعي اللذة الحمراء،

يصرخ: إنني أغرق!

وريّـا الخمر من أنفاس،

روّاد الهوى تَعبَقْ

ودنياً في فراشِ العهرِ،

تلعنُ زوجها الأسبقْ

وساعٍ في سبيل هواهُ،

لا يعنيه كم أنـفـقْ

وأنتَ تمورُ في كوخٍ،

عليه البؤسُ قد أطبقْ

تراقبُ طفلكَ المحموم،

تلمسُ جرحكَ الأعمَقْ

وتعصرُ في ثنايا الليلِ،

طوقَ جبينكَ المُرهقْ

لتجلبَ قطرتـيْ زيتٍ،

إلى فانوسكَ الأزرقْ

وما تدري وأنتَ تلوذُ،

حين تعودُ، بالصمتِ..

بأنك يا أبي تمشي،

على بحرٍ من الزيتِ

* * *

لقد سحبوا بساط البـرّ..

كيف البـرُّ لا يـجأرْ؟

وقد نهبوا شواطي البحرَ،

كيف البحرُ لا يـثـأرْ؟

وقد سلبوا عن المغنى،

قميصَ روائهِ الأخضرْ

ورقعة أرضنا الحُـبلى،

ونصف دقيقنا الأسمرْ

* * *

فيا وطناً خرافياً،

ولا أحلى ولا أروعْ!

وبطناً متخماً بالزيتِ،

لا يهدأ ولا يشبعْ

ويا وثناً من الأوثانِ

ليس يضرُّ أو ينفعْ

وجسماً من وراء الظلِّ،

راح يـُدار بالإصبعْ

ذكت حرب النجوم، ولم

يزل يحبو على أربعْ

يضنّ عليّ بالأشبارِ،

رغم فضائه الأوسعْ

ويقمعني إذا عبـّرتُ عن ألمي..

ويقطع درب قرص الخبزِ

قبل بلوغه لفمي..

ويحسدني.. إذا قاومتُ

سيف الجوع والموتِ

كما لو لم يكن يطفو

على بحرٍ من الزيتِ!*

*  الشاعر: جميل الحبيب.

(فيلم ثقافي) حاجات الإنسان الطبيعية حين تتحول إلى حلم بعيد المنال.

 

تدور قصة الفيلم في قالب كوميدي عن ثلاثة شباب, أحدهم يعمل في مستشفى لنيل شهادة الدبلوم, بينما الشابين الآخرين عاطلين عن العمل على الرغم من حصولهما على شهادة جامعية.  ويجمع الشبّان الثلاثة اهتمامات سطحية ظاهريًا, تتلخص في  محاولة إيجاد فيديو و مكان صالح لمشاهدة فيلم (جنسي). ويصطلحون على تسمية الفيلم الجنسي باسم (فيلم ثقافي). فيبدون وكأن لا همّ لهم إلا العثور على هذه الأفلام, و المجلات الجنسية, وتصويرها وتبادلها. حتى وصل الحال إلى رهن بطاقاتهم الشخصية فيما بينهم لضمان عودة المجلة أو عودة الفيلم بعد استعارته.

والعطالة عن العمل بطبيعة الحال هي عطالة عن الحُلم بمستقبل جميل, عطالة عن الزواج وتكوين أسرة, عطالة عن الحُب وبناء علاقات عاطفية. وبالتالي هي عطالة عن الحياة الطبيعية. ولذلك فليس أمام الشبّان الثلاثة إلا الجلوس في المقاهي وتدخين الشيشة وتبادل هذه الهموم السطحية. وهذا يدلّ على مدى الفراغ الكبير الذي يستولي على حياتهم. يقول لهم  (عم فوزي) الرجل الكبير في السن الذي يجالسهم في المقهى :

- زمان كانت القهاوي لكبار السن وأصحاب المعاشات بس.

فيردون عليه: – حتى قعدة القهوة مستكثرها فينا ياعم فوزي.

ويجيب عليهم: – أنا مستكثركم فيها يا ابني.

وبعد المجلة التي يقومون بتصويرها في قرطاسية الجامعة, يعثرون على شريط فيديو يزعمون أنه فيلم جنسي لسلمى حايك. ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن مكان لمشاهدة الفيلم. وفي أثناء هذه الرحلة يتكاثر العدد من ثلاثة إلى أربعة إلى خمسة إلى ستة و أكثر من ذلك.. فـمَن يوفر لهم الفيديو يشترط أن يتفرج معهم, ومن يوفر المكان يشترط أن يتفرج, ومَن يقوم بإصلاح محول الكهرباء يشترط أن يتفرج أيضًا وهكذا حتى يتكاثر العدد.

وأخيرًا بعد اكتمال جميع أركان المشاهدة. الشريط والفيديو والتلفاز والمكان.. يُفاجأ الجمع المحتشد للمشاهدة بأن الفيلم مجرد خمسة دقائق في بداية الشريط, وباقي الشريط مُسجل عليه جلسة من جلسات مجلس الشعب. فتحل عليهم موجة سخط عارمة. متسائلين: (ازاي الأهبل دا يسجل جلسة مجلس الشعب على شريط فيلم ثقافي) فأجاب الآخر (لا أكيد دا سجل الفيلم الثقافي على شريط مجلس الشعب) مما يوحي بمدى إنفصال الشأن السياسي عن واقع الشباب وهمومهم. فجلسة مجلس الشعب هي آخر شيء قد يعنيهم.

وتدور كل هذه الأحداث في وسط كوميدي مضحك, ولكنه ضحك كالبكاء, فحالة الكآبة والفراغ والشعور بالضياع تُسيطر و تخيم على شباب في ربيع العمر لم يصل أغلبهم إلى سن الثلاثين بعد ومع ذلك فليس بوسعهم الحلم بواقع أفضل مما هم فيه. فهذا الكبت الجنسي هو نتاج كبت اجتماعي و كبت سياسي. نتاج تهميش الشباب و تعطيلهم عن العمل والأمل والحياة الطبيعية العادية. ولذلك فالبطاقة الشخصية التي تُمثل هوية وطنية, تُصبح لعدميتها رهينة في مقابل ضمان  إرجاع الأفلام والمجلات الجنسية, لانتفاء أهميتها في أيدي شباب عاطلين.

و تتكشف حالة اليأس والشعور بالحنق على المجتمع والنظام السياسي في الحوار الذي يدور بين الشبّان الثلاثة وبين شخص ما يصادفونه في بلكونة مجاورة لشقة صديقهم.  وهو رجل بلغ سن السابعة والثلاثين ولم يكوّن أسرة ولم يعش حياة طبيعية.. فيقول أحدهم: – أنا أوّلع في نفسي لو دا يحصل لي.

فيجيبه الجار اليائس: يبقى ولّع في نفسك من دا الوقت. السن اللي من حقك تبتدي فيه حياتك وتحقق ذاتك هو سن العشرينات. إنت ليه بقى مسامح في حق نفسك و مؤجل التمرد والزعل من الدنيا لسن الأربعين.

فيقول أحدهم: دا كلام يودّي السجن ياراجل.

ومما يكشف عن شعور الشباب بأن كبتهم وضياعهم ناتج عن الواقع السياسي الحوار الذي يدور بين أحد الشبّان الثلاثة وضابط القسم الذي أحيلوا إليه بعد أن قرروا الفرجة في سيارة مكروباص فأوقفوها في مكان خاطئ وتم سحبها. وإحالة من فيها إلى القسم. يقول الشاب للضابط :

- الشريط بتاعنا احنا. دا يزعل الحكومة في حاجة؟ والله كون إن واحد في سني دا يضطر يتفرج على أفلام زي دي.. دي ماتبقاش قضية ضده.. دا  هوّ يرفع قضية ع المجتمع كله.

فيرد الضابط: افرض ان مافيش قضية؟ دا عيب يا ابني.

فيقول الشاب بحنق: عيب؟ هو دا العيب الوحيد في البلد؟

فالفُرجة في الفيلم, ليست تعطشًا إلى الجنس فقط, بل تعطشًا إلى الحياة. من قبَل شبّان لا يعرفون من الحياة إلا هامشها, ولا يملكون إلا الفرجة عليها. يقول أحدهم في حالة يأس:

- ياخي توّقع إن في حاجة حلوة تحصل, تخلينا نعيش.. بدل ما نتفرج.

وأخيرًا, يقول لهم متخصص الأفلام والفيديو بعد أن لا يتوافق شريط الفيديو مع نظام التشغيل:

- دي منظومة مترتبة.. أهم سؤال فيها النظام..

النظاااام يا بهايم.

وبالفعل, هذا الكبت وتضييع الشباب و إلهائهم بالهامش والاستئثار بالمتن, منظومة  مترتبة.

 

 

الفيلم على هذا الرابط.

في السعودية، متى ستقول الحكومة أنا فهمتكم؟

تدوينة عميقة لفؤاد الفرحان, ترصد أساليب الحكومة السعودية في المحافظة على استقرارها عن طريق تسخير المؤسسة الدينية, ودعم المؤسسة الرأسمالية, و تجنيد القبلية, وتدجين الثقافة.

في السعودية، متى ستقول الحكومة أنا فهمتكم؟

.

أسود.

 

للصباح مزاج أبيض, كالسماء.

كالنور.

كثيابهم.

ولي غلالة سوداء.

للبيوت نوافذ موصدة.

وقضبان حديد يختنق عبرها الهواء.

فتكفنّه الستائر الثقيلة.

ولروحي نافذة واحدة.

افتحها خلسة,

كلما أوصدوا عليّ باب.

للأسواق واجهات شفافة.

وأخرى ملونة كأحلامي القديمة.

و لي واجهة سوداء.

و وجه مُستلب.

وأحلام جديدة تتشكل من الرمادي الباهت.

أُديرها في خاطري كفيلمٍ قديم, وحزين.

للشوارع امتداد ﻻ‌ يعرفني.

وأضواء ﻻ‌ أعرف حقيقتها.

لكني أعرف كيف أعلّق عليها عينين اختطفهما السواد.

فأجعل من الضوء المركز, ضوءًا يتسع.

يتشتت, يتمدد.

وأهمس له.

أنت َلي.

ميدان التحرير, التغيير, التغرير.


   

الميدانان الأول والثاني لا يحتاجان إلى شرح وتفصيل, الأول له رمزيته التاريخية والثورية.اسمه وفعله ينطقان بالحُرية, اكتسب اسمه بعد تحرر مصر من الاستعمار, وخلع عنه الاسم القديم (ميدان الإسماعيلية) نسبةً إلى الخديوي إسماعيل, وهو بهذا يخلع عنه التبعية, ويتحرر من تمجيد الأشخاص إلى تمجيد الأفعال, فعل التحرر والإنطلاق.

وساحة التغيير هي الساحة التي عبّرت عن مطالب اليمنيين الأحرار, ساحة اجتمع فيها يمن مُصغر. طوائف متفرقة, من كل الأطياف والمذاهب والتوجهات. جمعهم التعطش إلى الحُرية.

أمّا الثالث, ميدان التغرير, فلا أرض له, لأنه يستشري كالسرطان, يتمدد في الأفق, لايجتمع فيه أحد, لأنه ميدان لم يوجد من أجل التجمعات. وُجِدَ من أجل التفرقة.  وفرّق تسد. ليس مفتوحًا للشمس, ولا يحتاج أن تنصب فيه خيمة, لأنه يخيّم على عقلك فتعشعش في ظلاميته.

وعلى الرغم من تمدده اللافت, إلا أنه لا يُشكل أرضًا مُنبسطة, إنه سلسلة من الدهاليز  والسراديب والطُرق الملتوية والتي تدور حول نفسها و تدور بك وتدور بك حتى يُصيبك  الدوار, فتُصبح كالسكارى, كأس في يدك, وشتائم على لسانك تطال كل من لا يُعجبك. إنه ميدان لا تسير إليه, هو يسيرُ إليك, يُداهمك, وقد يدهس عقلك وروحك أيضا. فيحولك  من إنسان إلى عدو للإنسان.

إنه ميدان لا يُعبر عن مطالب الشعب, لأنه وُجِدَ من أجل ضرب الشعب بالشعب.

ميدان لا يُعبر عن الجموع, يُعبر عن الصوت الفردي الواحد, الصوت الذي يُصبح سوطًا,  ينهالُ من علّ ليجلد الناس على ذنوب لم يرتكبوها, يجلد اختلافهم, طائفتهم, مذهبهم… ليُخمد صوتهم, وليُحيل البقية من جماعات مُتعددة ومتنوعة, إلى جماعة واحدة مُتشكلة على صورة إصبع سبابة كبير, كبير جدًا, يُشير إلى الآخرين بالاتهامات, لكنه رغم إشاراته المتكررة في وجوه الآخرين, لم يفقأ إلا أعين المشيرين به.

أهلا بالعالم

 

هذا (شباك منى) كشباك وفيقة الأزرق, على ظلمة مُطبق. *

افتحه علّ النور يصل, ولعلي يومًا ما أطّل من الأبواب, بدلًا عن تلصصي عبر الشبابيك.

هذا شبّاكي.بعد شعور مستمر بإفلاسي من كل شيء, وبعد سنوات من التنقل في فضاءات الإنترنت المتعددة,  أكتبني هنا من جديد.

فأهلًا بالعالم.. أهلاً.

 

* شباك وفيقة